السيد محمد تقي المدرسي

32

من هدى القرآن

شيخ الأنبياء وقومه [ 25 ] ويضرب القرآن أمثالا عديدة يقارن فيها بين الفريقين ، وعاقبة كل واحد منهما ، كما يبين من خلال هذه الأمثال - حقائق أخرى تمت التذكرة بها في بداية السورة - . ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الملاحظ بالتدبر في هذه الآية إن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قوم كان منهم ، وكان ذلك أبلغ في بيان الرسالة لهم ، وأبعد عن العصبية ، كما إن أهم بنود دعوته كان الانذار ، وهو أبلغ أثرا في النفوس باعتبارها قد فطرت على الدفاع عن الذات ، وإبعاد كل مكروه محتمل ، والإنسان مفطور على الدفاع عن ذاته أكثر مما هو مفطور على جلب المنفعة لها . [ 26 ] وخلاصة دعوة نوح وهدف رسالته كانت عبادة الله وحده ، ونبذ الشركاء ، وحين ينبذ الشركاء تسقط السلطة السياسية ، والمنهاج الاقتصادي والثقافي والسلطة الاجتماعية وكل ما يقوم على أساس عبادة الأوثان والشركاء . ( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) إن مجرد الخوف من ذلك اليوم الذي ينشر فيه العذاب حتى يصبح اليوم ذاته أليما . حيث أن كل لحظاته تصبح ميعادا للعذاب ، أقول : إن مجرد الخوف من ذلك اليوم يكفي البشر دافعا نحو الإيمان بحثا عن الخلاص . [ 27 ] أما جواب قومه فقد كان متوغلا في التحجر والمادية والطبقية . أولًا : زعموا بأن صاحب الرسالة يجب أن يكون من غير البشر ، وكأن البشر هو المخلوق العاجز عن حمل الرسالة ، وهذا نوع سخيف من التحجر الجاهلي . ثانياً : قاسوا الرسالة بمن يحملها أو من يبادر بالإيمان بها . ولم ينظروا إليها ذاتها باعتبارها قيم فاضلة ، ودعوة إلى العدالة والهدى ، وهذا نوع من المادية وتشييء القيم . ثالثاً : نظروا إلى تابعي الرسالة من المستضعفين نظرة ازدراء بسبب تكبرهم وطبقيتهم . ( فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ ) الملأ هم الأشراف وعلية القوم ، ولأنهم كفروا بالرسالة شأنهم شأن أغلب الذين هم من طبقتهم ولأنهم كانوا فاسدين ، وكان من الصعب عليهم الخضوع لمن هو مثلهم ، مما يدل على انحطاط نفوسهم ، وانعدام الثقة فيها ، لكل ذلك نعتوا